أستاذ الدراسات الصينية. المدير التنفيذى لمعهد كونفوشيوس جامعة قناة السويس.
في خضم التصعيد العسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط نتيجة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبرز الموقف الصيني بوصفه أحد أكثر المواقف الدولية حذرًا وتعقيدًا ، فالصين التي أصبحت اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم وفاعلًا رئيسيًا في النظام الدولي، تجد نفسها أمام أزمة تمس مباشرة مصالحها الاستراتيجية في الطاقة والتجارة والاستقرار العالمي، لكنها في الوقت ذاته تحرص على عدم الانزلاق إلى صراع عسكري مباشر في منطقة لطالما كانت ساحة تنافس للقوى الكبرى.
ومن هنا يمكن القول إن قراءة الموقف الصيني من هذه الحرب لا يمكن أن تتم بمعزل عن الفلسفة السياسية الصينية العميقة، ولا عن الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية التي تحكم سلوك بكين في النظام الدولي المعاصر.
تقوم الرؤية الصينية للحروب والصراعات على ميراث فكري يمتد لقرون، يتجسد في تعاليم القائد والمفكر العسكري القديم سون زى صاحب الكتاب الشهير فن الحرب ، الذي يعد أحد أهم النصوص الاستراتيجية في التاريخ الإنساني. فقد أكد سون زى أن "أسمى مراتب الانتصار هي كسر مقاومة العدو دون قتال"، وهي فكرة شكلت على مدى قرون جزءًا من العقل الاستراتيجي الصيني.
وقد انعكست هذه الفلسفة في السياسة الخارجية الصينية الحديثة، التي تميل إلى تجنب الحروب المباشرة وتفضل بدلاً من ذلك استخدام أدوات الاقتصاد والدبلوماسية والنفوذ السياسي لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، ولذلك لم يكن غريبًا أن تبادر بكين منذ اللحظات الأولى للأزمة إلى الدعوة لوقف التصعيد العسكري، والتأكيد على ضرورة العودة إلى الحلول السياسية والحوار.
غير أن هذا الخطاب الدبلوماسي لا يعني أن الصين تقف على مسافة واحدة من تداعيات الحرب، بل إن هذه الأزمة تمس بشكل مباشر شبكة واسعة من المصالح الصينية في الشرق الأوسط.
خلال العقود الثلاثة الماضية تحولت الصين إلى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وهو ما جعل منطقة الخليج العربي تحتل مكانة مركزية في حسابات أمن الطاقة الصيني، ويكفي أن نعلم أن نسبة كبيرة من واردات النفط الصينية تمر عبر مضيق هورمز ، أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية من الناحية الجيوسياسية.
ومن ثم فإن أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى تعطيل الملاحة في هذا المضيق أو تهديد أمنه يمثل مصدر قلق بالغ لبكين، لأن ذلك يعني اضطرابًا في أسواق الطاقة العالمية وارتفاعًا حادًا في أسعار النفط، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة.
لكن الطاقة ليست وحدها ما يربط الصين بالمنطقة، فخلال السنوات الأخيرة أصبحت دول الشرق الأوسط جزءًا مهمًا من المشروع الجيوسياسي والاقتصادي الأكبر للصين، وهو مشروع مبادرة الحزام والطريق الذي أطلقه الرئيس الصيني شى جين بينج عام 2013 بهدف إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية عبر شبكات واسعة من الموانئ والطرق البرية وخطوط السكك الحديدية.
وفي هذا الإطار تمثل إيران موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، فهي تشكل حلقة وصل بين آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا، الأمر الذي يجعلها نقطة ارتكاز في بعض مسارات المبادرة، ومن ثم فإن أي حرب طويلة الأمد قد تهدد استقرار إيران أو بنيتها التحتية تمثل في الوقت ذاته تهديدًا لمصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.
شهدت العلاقات بين الصين وإيران تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد توقيع اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل بين البلدين لمدة خمسة وعشرين عامًا، وتشمل هذه الاتفاقية مجالات متعددة، من الطاقة والبنية التحتية إلى التكنولوجيا والاستثمارات طويلة الأجل.
كما أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لإيران، وتعد من أهم المشترين للنفط الإيراني، وهو ما يمنح الاقتصاد الإيراني متنفسًا مهمًا في ظل العقوبات الغربية المفروضة عليه.
غير أن هذه العلاقة الوثيقة لا تعني أن الصين مستعدة للدخول في تحالف عسكري مع إيران، فالعقيدة الاستراتيجية الصينية تقوم على تجنب الانخراط في التحالفات العسكرية الصلبة، وهي تختلف في ذلك عن نماذج التحالفات التقليدية التي تقودها الولايات المتحدة.
ومن هنا يمكن فهم طبيعة الدعم الصيني لإيران، الذي يظل في إطار الدعم الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، دون أن يصل إلى حد المشاركة العسكرية المباشرة في الصراع.
خلال السنوات الأخيرة بدأت الصين تظهر اهتمامًا متزايدًا بلعب دور دبلوماسي في الشرق الأوسط، وهو ما تجلى بوضوح عندما نجحت بكين في رعاية اتفاق استئناف العلاقات بين السعودية وإيران عام 2023، في خطوة اعتبرها كثير من المراقبين تحولًا مهمًا في دور الصين الإقليمي.
ومن هذا المنطلق تسعى بكين اليوم إلى تقديم نفسها بوصفها قوة توازن قادرة على التواصل مع جميع أطراف المنطقة، سواء كانت إيران أو الدول العربية أو حتى إسرائيل، وهذه القدرة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متنافسة تمنح الصين هامشًا دبلوماسيًا لا يتوافر لكثير من القوى الدولية الأخرى.
وفي ضوء ذلك تواصل الصين الدعوة إلى وقف الحرب وتغليب الحلول السياسية، إدراكًا منها أن استمرار التصعيد قد يجر المنطقة إلى صراع أوسع لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
قد يبدو للوهلة الأولى أن انشغال الولايات المتحدة بصراع جديد في الشرق الأوسط قد يمنح الصين فرصة لتوسيع نفوذها في مناطق أخرى من العالم، وخاصة في شرق آسيا حيث يتصاعد التنافس الاستراتيجي بين بكين وواشنطن.
غير أن هذا التصور يظل مبسطًا إلى حد بعيد، فالحروب الكبرى في الشرق الأوسط نادرًا ما تظل محصورة داخل حدود المنطقة، وغالبًا ما تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وبالنسبة للصين، التي أصبحت اليوم أحد أكبر المستفيدين من العولمة الاقتصادية والاستقرار التجاري العالمي، فإن أي اضطراب واسع في النظام الاقتصادي الدولي يمثل تحديًا مباشرًا لمصالحها.
في ضوء كل هذه المعطيات يبدو أن الصين تسير في هذه الأزمة على خيط دقيق بين المبادئ والمصالح، فهي من جهة تتمسك بخطاب يدعو إلى السلام والحوار ويرفض استخدام القوة العسكرية، ومن جهة أخرى تعمل بصمت على حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم أهمية بالنسبة لمستقبل الاقتصاد العالمي.
ولذلك فإن السياسة الصينية في هذه الأزمة قد توصف بأنها سياسة "الحياد النشط": حياد في الانخراط العسكري المباشر، ونشاط في التحركات الدبلوماسية والاقتصادية الهادفة إلى احتواء تداعيات الصراع.
وفي عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والتنافس بين القوى الكبرى، قد تكون هذه المقاربة الصينية نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات الدولية، يقوم على مزيج من الحكمة التاريخية والبراغماتية السياسية.
غير أن السؤال الذي سيظل مطروحًا في المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت الدبلوماسية الصينية قادرة بالفعل على التأثير في مسار هذا الصراع، أم أن منطق القوة العسكرية سيظل هو العامل الحاسم في تحديد مستقبل الشرق الأوسط في السنوات القادمة.
*بقلم:
أ.د| حسن رجب
أستاذ الدراسات الصينية
مديرمعهد كونفوشيوس
جامعة قناة السويس